عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

438

اللباب في علوم الكتاب

الثّواب والعقاب ، بيّن أنه غير محتاج إلى ثواب المطيعين ، أو ينتقص بمعصية المذنبين ؛ لأنه - تعالى - غنيّ لذاته عن جميع العالمين ، ومع كونه غنيا ، فإنّ رحمته عامّة كاملة . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : ذو الرّحمة بأوليائه وأهل طاعته . قوله : « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ » يجوز أن يكون الغنيّ والرّحمة خبرين أو وصفين ، و « إن يشأ » وما بعده خبر الأوّل ، أو يكون « الغنيّ » وصفا و « ذُو الرَّحْمَةِ » خبرا ، والجملة الشّرطيّة خبر ثان أو مستأنف . فصل في دحض شبهة للمعتزلة قالت المعتزلة : هذه الآية الكريمة دالّة على كونه عادلا منزّها عن فعل القبيح ، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده ؛ لأنه - تبارك وتعالى - عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه غنيّا عنه ، وكلّ من كان كذلك ، فإنّه متعال عن فعل القبيح ، وتقريره من ثلاثة أوجه : أحدها : أن في الحوادث ما يكون قبيحا ؛ كالظّلم والسّفه والكذب والعبث ، وهذا غير مذكور في الآية لغاية ظهوره . وثانيها : أنه - تعالى - عالم بالمعلومات ؛ لقوله : وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ . وثالثها : أنه - تعالى - غنيّ عن الحاجات ؛ لقوله : « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ » وإذا ثبتت هذه المقدّمات ، ثبت أنه عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيّا عنها ، وإذا ثبت هذا ، امتنع كونه فاعلا لها ؛ لأن المقدم على فعل القبيح إمّا أن يكون إقدامه لجهله بكونه قبيحا ، وإما لاحتياجه ، فإذا كان عالما بالكلّ ، امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح ، وذلك يدلّ على أنه - تعالى - منزّه عن فعل القبيح ، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحدا فلما كلّف عبيده الأفعال الشّاقّة ، وجب أن يثيبهم عليها ، ولما رتّب العقاب « 1 » على فعل المعاصي ، وجب أن يكون عادلا فيها ، فحينئذ انتفى الظّلم عن اللّه - تعالى - ، فما الفائدة في التكليف ؟ . قال ابن الخطيب « 2 » : والجواب أن التكليف إحسان ورحمة على ما قرّر في كتب الكلام . قوله : « إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ » فقيل : المراد يهلككم يا أهل مكّة ، وقيل : يميتكم ، وقيل : يحتمل ألّا يبلغهم مبلغ التّكليف ، ويستخلف من بعد إذهابكم ؛ لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل . قوله : « ما يشاء » يجوز أن تكون « ما » واقعة على ما هو من جنس الآدميّين ، وإنّما أتى ب « ما » وهي لغير العاقل للإبهام الحاصل ، ويجوز أن تكون واقعة على غير العاقل وأنّه يأتي بجنس آخر ، ويجوز أن تكون واقعة على النّوع من العقلاء كما تقدّم .

--> ( 1 ) في أ : العذاب . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 165 .